محمد بن جرير الطبري
105
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ يقول : عصبا ، يعني : سرايا متفرقين ، أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً يعني كلكم النفر للحرب . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : فَانْفِرُوا ثُباتٍ قال : فرقا قليلا قليلا . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَانْفِرُوا ثُباتٍ قال : الثبات : الفرق . حدثنا الحسين بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَانْفِرُوا ثُباتٍ فهي العصبة ، وهي الثبة . أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً مع النبي صلى الله عليه وسلم النفر للحرب . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليما ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَانْفِرُوا ثُباتٍ يعني : عصبا متفرقين . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً وهذا نعت من الله تعالى ذكره للمنافقين ، نعتهم لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه ووصفهم بصفتهم ، فقال : وَإِنَّ مِنْكُمْ أيها المؤمنون ، يعني : من عدادكم وقومكم ومن يتشبه بكم ويظهر أنه من أهل دعوتكم وملتكم ، وهو منافق يبطئ من أطاعه منكم عن جهاد عدوكم وقتالهم إذا أنتم نفرتم إليهم . فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ يقول : فإن أصابتكم هزيمة ، أو نالكم قتل أو جراح من عدوكم ، قال : قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ، فيصيبني جراح أو ألم أو قتل ، وسره تخلفه عنكم شماتة بكم ، لأنه من أهل الشك في وعد الله الذي وعد المؤمنين على ما نالهم في سبيله من الأجر والثواب وفي وعيده ، فهو غير راج ثوابا ولا خائف عقابا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ إلى قوله : فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ما بين ذلك في المنافقين . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ عن الجهاد والغزو في سبيل الله . فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً قال : هذا قول مكذب . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، قال : قال ابن جريج : المنافق يبطئ المسلمين عن الجهاد في سبيل الله ، قال الله : فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قال : بقتل العدو من المسلمين ، قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً قال : هذا قول الشامت . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قال : هزيمة . ودخلت اللام في قوله لَمَنْ وفتحت لأنها اللام التي تدخل توكيدا للخبر مع " إن " ، كقول القائل : إن في الدار لمن يكرمك ، وأما اللام الثانية التي في : لَيُبَطِّئَنَّ فدخلت لجواب القسم ، كأن معنى الكلام : وإن منكم أيها القوم لمن والله ليبطئن . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً يقول جل ثناؤه : وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ولئن أظفركم الله بعدوكم ، فأصبتم منهم غنيمة ؛ لَيَقُولَنَّ هذا المبطئ المسلمين عن الجهاد معكم في سبيل الله المنافق كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ بما أصيب معهم من الغنيمة فَوْزاً عَظِيماً . وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أن شهودهم الحرب مع المسلمين إن شهدوها لطلب الغنيمة ، وإن تخلفوا عنها فللشك الذي في قلوبهم ، وأنهم لا يرجون لحضورها ثوابا ولا يخافون بالتخلف عنها من الله عقابا . وكان قتادة وابن جريج يقولان : إنما قال من قال من المنافقين إذا كان الظفر للمسلمين : يا ليتني كنت معهم ، حسدا منهم لهم . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال :